لحج/ فؤاد داؤد
بينما كان يفترض أن يتحول ملعب الشهيد معاوية إلى عرسٍ رياضي يليق بتاريخ لحج ، تحولت ليلة أمس الإثنين إلى مأتمٍ حضاري أقيم فوق عشبٍ لم يكتمل بعد .
فالصور التي خلفها الحفل الفني على أرض الملعب الذي ما يزال في طور التعشيب بالعشب الصناعي ، لا تُبكي الحجر فحسب ، بل تُدمي ضمير كل من يؤمن أن الوطن يُبنى قبل أن يُحتفل به .
فها هو الملعب اليوم في صورةٍ يرثى لها و لا ترضي أحداً .. قطائف العشب الصناعي ممزقة ، فناجين الشاي السفري مرمية كأنها رصاصٌ فارغ ، أحجار و مخلفات البلك مبعثرة في كل زاوية ، و أثر السجائر يحرق ما تبقى من الحلم .. لم يُترك فيه شيءٌ يُنظف ، و كأن من أقام الحفل ظنّ أن الأرض لا تملك ذاكرة ، و أن الجمال لا يستحق الوفاء ، فأي لامبالاةٍ هذه ؟ و أي استهتارٍ يُقابل حلم أجيال ؟
فالملعب ليس مجرد مستطيل أخضر ، إن ملعب الشهيد معاوية هو متنفس الشباب .، هو مصنع الرجولة ، هو العنوان الذي كنا نتفاءل به حين بدأ التعشيب .
فكيف نزرع العشب بأيدٍ و نحرقه بأيدٍ أخرى ؟ كيف نرفع راية الإعمار نهاراً ، ثم نرمي بها في المدرجات ليلاً ؟
إن حالة الملعب تنم عن لامبالاةٍ منقطعة النظير من الجهة المعنية بإقامة الحفل ، و كأن الأمر لا يعنيها ، و كأن صرحاً رياضياً يُكلف الملايين لا يساوي فنجان شايٍ يُلقى على الأرض .
فأي احتفاءٍ هذا الذي يبدأ بتصفيقٍ و ينتهي بتخريب ؟ و أي ثقافةٍ تلك التي تُكرّم الفن ، و تُهين المكان الذي احتضنه ؟
الأستاذ وائل القهر مدير ملعب الشهيد معاوية ، أعرب عن استيائه الشديد لما آل إليه الملعب ، مؤكداً أنه سيرفع تقريراً عاجلاً إلى معالي محافظ المحافظة الأستاذ مراد علي الحالمي ، موثقاً فيه مدى الاستهتار و عدم المبالاة بالمحافظة على التعشيب الذي ما زال العمل فيه جارياً أثناء قيام الحفل .
و هي شهادة رجلٍ ميداني يقولها بوجع الأب الذي يرى ابنه يُضرب أمام عينيه : إن هذا الصرح لا يزال جريحاً ، فلا تزيدوا جراحه احتفالاً .
فهل من جهةٍ في المحافظة تنظر إلى هذا الأمر بعين الاعتبار ؟
أم أن ملعب الشهيد معاوية ، هذا الحلم الذي التف حوله كل أبناء الحوطة ، لم يعد يعني مسؤولينا شيئاً ؟
إن إهمال منشأةٍ رياضيةٍ و هي في طور الإنشاء ، جريمةٌ لا تقل عن هدمها بعد اكتمالها .. فالأوطان لا تُبنى بالحفلات الصاخبة ، بل تُبنى بالوعي الهادئ . و لا نحتفل بالوطن إلا حين نصونه ، لا حين ندوسه .
يا أهل لحج .. العشب الذي يُحرق اليوم ، هو مستقبل أولادكم الذي يُحرق غداً ، و من لا يحترم ملعبه ، لن يحترم وطنه .
أنقذوا ملعب الشهيد معاوية .. قبل أن يتحول اسمه من "شهيد" إلى " قتيل إهمال " .