ليس أصعب على الأوطان من قلة الرجال، وإنما أن يكثر صغار الرجال في زمن الحاجة إلى الكبار. ففي الأزمنة المضطربة لا تصبح الكفاءة هي النادرة، بل يغدو الصدق نفسه عملةً نادرة، ويصبح الرجل الذي يجمع بين العلم، وسمو الخلق، ونظافة اليد، وعلو الهمة، أشبه بالكبريت الأحمر؛ يُسمع به أكثر مما يُرى، ويُرجى وجوده أكثر مما يُعثر عليه.
وحين يسخر الله رجلًا من هذا الطراز، لا يكون الحديث عنه احتفاءً بشخصه بقدر ما يكون احتفاءً بقيمةٍ أوشكت أن تغيب، وتذكيرًا بأن الأوطان، مهما أثقلها الفساد وأرهقتها الأزمات، لا تزال تنجب رجالًا يحملون مشروع الإصلاح في ضمائرهم، لا على كراسيهم.
عرفت الدكتور نبيل مهيم منذ خمسة وعشرين عامًا، فلم أجده إلا كما عرفته أول مرة، لم تزده الأيام إلا صفاءً كلما ازدادت الحياة قسوة، وتواضعًا كلما علت منزلته، وقربًا من الناس كلما اتسعت مكانته العلمية. عرفت نبيلًا حكيمًا، زاهدًا، صاحب قلب كبير، ونفسًا ساميةً تنأى عن الصغائر.
بدأ رحلته طالبًا نجيبًا، ثم معلمًا حمل التعليم رسالةً لا وظيفة، ثم أستاذًا جامعيًا جمع بين رسوخ العلم ورفعة الخلق. وكان تميزه العلمي واضحًا منذ بداياته الأولى، تلفت انتباهك إنسانيته وحكمته وصبره قبل مكانته العلمية
زاملته مدرسًا في الجامعة، فما وجدته- مع كل زملائه- إلا أخًا بقلب أب، ومربيًا بعقل حكيم، وإنسانًا يسبق عذره حكمه، ورحمته عتابه. لم يكن يتصيد الأخطاء، بل يلتمس لأصحابها المخارج، ولم يكن يفرح بانتصاره في جدال، بل بانتصار الحق. ولم أعرفه يومًا متعاليًا على صغير، ولا متزلفًا لكبير، ولا باحثًا عن مصلحة شخصية .
وأحسب أن أعظم وسام ناله هذا الرجل ليس شهادةً أكاديمية، ولا منصبًا إداريًا، وإنما محبة الناس له. فمن النادر أن يجتمع الناس على رجل في زمن أصبحت الخصومات فيه أسهل من الوفاق، فسيرته كانت أبلغ من كل تزكية، وأصدق من كل شهادة. ولعل ذلك من القبول الذي يكتبه الله لمن أخلص في السر كما أخلص في العلن .
فلم يكن هذا النبل طارئًا على سيرته، فهو سليل أسرة كريمة. فوالده الأستاذ محمد صالح مهيم أحد أبرز الكفاءات الإدارية التي أنجبتها محافظة أبين في عصرها الذهبي، ممن ارتبطت أسماؤهم بحسن الإدارة، ونظافة اليد، واحترام الناس. وكأن الابن لم يرث من أبيه الاسم وحده، بل ورث عنه شرف السيرة، ونبل الرسالة، والإيمان بأن الوظيفة العامة أمانة لا غنيمة.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تتوالى عليه العروض، لكنه ظل زاهدًا فيها؛ لأنها لم تكن يومًا غايته. ترك عمادة كلية اللغات، واعتذر عن مواقع أخرى قبلها وبعدها؛ لإيمانه بأن قيمة الإنسان لا تحددها الوظيفة التي يشغلها، بل الأثر الذي يتركه في ذاكرة المكان والزمان .
وحين صدر قرار تعيينه مديرًا عامًا لمكتب التربية والتعليم بمحافظة أبين، شعرت بفرحٍ لم يخلُ من حزن. فرحت لأن التربية ربحت رجلًا من خيرة رجالها، ولأن الأمل لا يزال يجد له مكانًا في وطن أتعبته الخيبات. وحزنت، لا لأنني أشك في قدرة الرجل أو علمه أو إخلاصه أو همته، فذلك مما لا يخطر ببال من عرفه، وإنما لأن المهمة تأتي في مرحلة اختلت فيها الموازين، وتغولت فيها المصالح، واستشرى فيها الفساد، حتى غدا الإصلاح عملًا شاقًا يحتاج إلى صبر الأنبياء.
سيكتب القرار الإداري يومًا أن الدكتور نبيل مهيم تولى منصب المدير العام للتربية في محافظة أبين، لكن ذاكرة الناس ستكتب ما هو أبقى من القرار؛ ستكتب أن التربية لم تمنحه قيمةً لم تكن فيه، بل اكتسبت منه قيمةً كانت تفتقدها، وأن المنصب لم يرفع الرجل بقدر مارفع الرجل المنصب .
فبعض الرجال لا تُقاس عظمتهم بما يشغلونه من مواقع، وإنما بما يتركونه من أثر. تمر المناصب بهم كما تمر السنين؛ عابرةً في ظاهرها، لكنها تكتسب من سيرتهم معنى البقاء. أولئك هم الذين لا يحتاجون إلى الكراسي ليُعرفوا، لأن حضورهم أكبر من المقاعد، وسيرتهم أوسع من الحدود.
وإذا كانت الأوطان تُبتلى في مراحلها الصعبة بضعف المؤسسات وتراجع القيم، فإن عزاءها يبقى في أمثال هؤلاء؛ رجال يحملون المسؤولية لا طلبًا للمصلحة الشخصية؛ بل وفاءً للواجب، ولا بحثًا عن مكانة، بل إيمانًا بالرسالة. فالأوطان لا تنهض بكثرة المناصب، وإنما بعظمة الرجال الذين يجعلون من مواقعهم جسورًا للأمل، ومن أعمالهم شهادةً على أن الخير، مهما ضاقت مساحته، لا يزال قادرًا على أن يصنع الفرق.