تبرز تكنولوجيا التفكك الحراري كحل مبتكر قادر على تحويل النفايات المنزلية والصلبة في لبنان إلى طاقة ومواد قابلة للاستخدام الصناعي، بما يفتح آفاقًا جديدة للاقتصاد الدائري ويحد من الاعتماد على المطامر التقليدية.
وبفعل تراكم الأزمات يشهد البلد أزمة متجددة في إدارة النفايات، حيث تسبّبت السنوات الطويلة من الاعتماد على الطمر التقليدي وسوء التنسيق اللوجستي في تكدّس المخلفات وتفاقم الأضرار البيئية والصحية.
وطرحت نقابة الكيميائيين الجمعة رؤية علمية متكاملة لمعالجة أزمة النفايات في لبنان، ترتكز على اعتماد تقنيات التفكك الحراري لتحويل النفايات المنزلية والصلبة إلى طاقة ومواد ذات قيمة مضافة.
ويأتي هذا الطرح في ظل تفاقم التحديات البيئية والمالية التي تواجهها البلاد، حيث تحولت إدارة النفايات خلال السنوات الماضية إلى عبء اقتصادي وصحي يستنزف البلديات ويؤثر سلبًا على الموارد الطبيعية.
وترى النقابة أن المقاربة التقليدية القائمة على الطمر أو المعالجة المركزية الواسعة النطاق لم تعد قابلة للاستدامة، سواء من حيث الكلفة أو الأثر البيئي، بحسب بيانها الذي أوردته وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية.
ولذلك تقترح نموذجًا لامركزيًا يقوم على إنشاء مصانع صغيرة ومتوسطة الحجم، بطاقة استيعابية تتراوح بين 30 و300 طن يوميًا، ما يسمح بتوزيعها على الأقضية والبلديات وفق حاجات كل منطقة.
ويهدف هذا التوجه إلى تقليص كلفة النقل، وتسريع التنفيذ، وتخفيف الضغط عن البنى التحتية المتهالكة، فضلًا عن الحد من النزاعات المحلية المرتبطة بمواقع المطامر.
ويستند المشروع إلى مفهوم "صفر طمر"، بما يعني إلغاء الحاجة إلى المطامر الصحية التي تستنزف مساحات عقارية وتعرّض المياه الجوفية لمخاطر التلوث.
وكذلك تستهدف المبادرة تحقيق انبعاثات صفرية عبر اعتماد أنظمة تشغيل مغلقة تحدّ من تسرب الغازات الضارة أو الملوثات العضوية الثابتة، بما يتوافق مع المعايير البيئية الدولية.
كما يتبنى المشروع مبدأ "صفر تسبيخ" لتجاوز الإشكاليات المزمنة المرتبطة بعمليات التخمير التقليدية، ولاسيما في ظل طبيعة النفايات المختلطة وغياب الفرز المنهجي من المصدر.
وأكد نقيب الكيميائيين جهاد سليمان عبود أن النقابة تضع هذه الرؤية بتصرف الجهات الرسمية والبلديات، مع استعدادها لتقديم الدراسات التقنية والإشراف المخبري لضمان الالتزام بأعلى المعايير العالمية.
وأشار إلى توقيع اتفاقية تعاون مع شركة لبنانية تولّت تطوير المشروع، بالتوازي مع إطلاق مباحثات مع عدد من البلديات تمهيدًا للشروع في التنفيذ.
ويعكس هذا التوجه محاولة لربط المبادرة العلمية بإطار استثماري وتنفيذي قابل للتطبيق، في بلد يحتاج إلى حلول عملية ومستدامة لأزمة طال أمدها.
واقتصاديًا، لا يقتصر المشروع على معالجة النفايات بوصفها عبئًا، بل يسعى إلى تحويلها إلى مورد إنتاجي يمكن الاستفادة منه على المدى البعيد، من خلال تحريك عجلة نشاط الشركات وتوفير فرص عمل.
وتتضمن العملية مرحلة فرز ميكانيكي دقيق لاستعادة المواد القابلة لإعادة التدوير، تليها مرحلة التفكك الحراري التي تحول المكونات العضوية والبلاستيكية إلى زيت اصطناعي وغازات قابلة للاستخدام في توليد الطاقة الكهربائية.
وإضافة إلى ذلك إنتاج الكربون الأسود الذي يمكن توظيفه في تطبيقات صناعية متعددة. وبهذا المعنى، يشكل المشروع نموذجًا للاقتصاد الدائري، حيث يعاد إدخال مخرجات النفايات في الدورة الاقتصادية بدل بقائها عبئًا بيئيًا.
ويعكس هذا التوجه محاولة لربط المبادرة العلمية بإطار استثماري وتنفيذي قابل للتطبيق، في بلد يحتاج إلى حلول عملية ومستدامة لأزمة طال أمدها.
واقتصاديًا، لا يقتصر المشروع على معالجة النفايات بوصفها عبئًا، بل يسعى إلى تحويلها إلى مورد إنتاجي يمكن الاستفادة منه على المدى البعيد، من خلال تحريك عجلة نشاط الشركات وتوفير فرص عمل.
وتتضمن العملية مرحلة فرز ميكانيكي دقيق لاستعادة المواد القابلة لإعادة التدوير، تليها مرحلة التفكك الحراري التي تحول المكونات العضوية والبلاستيكية إلى زيت اصطناعي وغازات قابلة للاستخدام في توليد الطاقة الكهربائية.
وإضافة إلى ذلك إنتاج الكربون الأسود الذي يمكن توظيفه في تطبيقات صناعية متعددة. وبهذا المعنى، يشكل المشروع نموذجًا للاقتصاد الدائري، حيث يعاد إدخال مخرجات النفايات في الدورة الاقتصادية بدل بقائها عبئًا بيئيًا.
كما يبرز البعد التنموي للمبادرة من خلال ما يمكن أن توفره من فرص عمل علمية وتقنية للشباب اللبناني، سواء في مجالات الهندسة الكيميائية، أو إدارة المصانع، أو المراقبة البيئية والمخبرية.
ويقول المختصون إن اعتماد وحدات إنتاجية موزعة جغرافيًا من شأنه تحفيز النشاط الاقتصادي المحلي، وتوسيع قاعدة الخبرات الوطنية في قطاع التكنولوجيا البيئية.
وغيّرت الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة التي يمر بها لبنان نظرة الكثير من المواطنين والشركات تجاه النفايات، فبعدما كانت مجرد قمامة ترمى في المستوعبات أصبحت مصدر رزق للكثيرين رغم أن الأرضية لإنجاح الخطوة تثير الجدل.
ووفقًا للبيانات المتاحة، ينتج لبنان ما بين نحو مليونين و2.7 مليون طن من النفايات الصلبة البلدية سنويًا، وهو ما يعادل نحو 1.05 كيلوغرام من النفايات للفرد يوميًا في المتوسط.
ولا توجد إحصاءات رسمية موحدة حديثة تحدد حجم مشاريع تدوير النفايات بدقة، لكن من المعطيات يمكن استخلاص صورة تقريبية عن نطاق الجهود الحالية.
وتُظهر بعض التقديرات أن نسبة التدوير منخفضة جدًا مقارنة بالإنتاج الكلي للنفايات، حيث لا يتم تدوير سوى نحو 8 في المئة فقط من إجمالي النفايات الصلبة البلدية، بينما الباقي يُطرح في مكبات أو يُدفن أو يُرمى بشكل عشوائي.
وهناك محطات ومعامل قائمة تعمل على الفرز والتدوير، أبرزها منشأة معالجة النفايات في طرابلس الذي يصل طاقته عند تحديثه إلى 400 طن يوميًا من المعالجة، ويجمع بين الفرز والتدوير والتحويل إلى وقود بديل بالتعاون بين الاتحاد الأوروبي والسلطات المحلية.
وكذلك ثمة مشاريع تمويل دولي مثل برنامج "داوير" الممول من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية تدعم تدوير النفايات وتحسين سلاسل إعادة الاستخدام في المناطق الريفية.
وتستهدف هذه المشاريع تحويل حوالي 150 طن يوميًا من المخلفات بعيدًا عن المكبات عبر فرزها وتدويرها، بالإضافة إلى دعم عشرات البلديات لبدء حلول مستدامة.
ومن حيث القيمة الاقتصادية للقضايا البيئية، تبلغ حجم سوق تدوير مخلّفات النفايات بالبلاد نحو 100 مليون دولار سنويًا، ما يعكس إمكانية تحفيز المشاريع وجذب الاستثمار في القطاع.