بقلم/ د. أنور الصوفي
ليلة البارح ليلة معصودة من بدايتها، فبسبب تأخر الراتب بدأت ليلتي بالتفكير في أحوال مدراء ورؤساء المصالح الحكومية وقادة الألوية وكيف تغيرت أحوالهم فمن ديمة كانوا يسكنونها إلى قصور وفلل في كل مكان، ففكرت هل هذا كله من رواتبهم؟ فوجدت أن رواتبنا تكاد تكون بنفس المستوى فكيف استطاعوا إذن أن يبنوا هذا كله وفي فترة قصيرة؟
تقلبت يمينًا ويسارًا لعلي أحل هذه المعادلة الصعبة، ولكن لم أجد لها أي تبرير إلا بعدما رأيت المسؤولين يتزاورون فيما بينهم، فعلمت أن المسألة فيها أعطني وسأجزل لك العطاء وكله من خيرات تلك المصالح الحكومية والألوية، تململت وفكرت وكيف الدولة ساكتة عليهم؟ ولماذا لم تغيرهم على الرغم من تجاوزهم الفترة القانونية في تلك المرافق؟ فعلمت أنهم هم الدولة، فكل مسؤول منهم يراكي للذي جنبه كما يمسك البناء بعضه بعضًا، ما علينا من أولئك السرق واللصوص، وتعالوا معي أكمل لكم ليلتي، تعالوا تعالوا.
ليلة البارح وبسبب التفكير في أحوال الموظف الذي أصبح حلمه وأمنيته محصورة في استلامه للراتب وبعد هذا التفكير العميق وبعد منتصف الليل رأيت شيئًا غريبًا في السقف، وكانت المروحة شغالة على الآخر، ومازال الحر يحيط بي من كل مكان، فتهيأ لي أن ذلك الشيء عصفورًا قد تسلل إلى الغرفة، وقلت لو طار ستضربه المروحة باتجاهي وستسيل الدماء وستتسخ الغرفة كما اتسخ الوطن بلصوص الراتب وبفساد رؤساء المصالح الحكومية، فقررت إطفاء المروحة والحر يكاد يقتلنا، ولكن راحة البال أفضل من أن أشغل بالي بذلك العصفور طوال الليل، أطفأت المروحة، وسال العرق من كل مكان وكدت أموت من شدة الحر، ولكن الخوف من أن يصرع العصفور فضلت تحمل الحر، وبت في ليلة لا يعلم بها إلا الله، تأثرت من شدة الحر، فقمت لأشغل المروحة، فقلت أولًا سأطرد ذلك العصفور خارج الغرفة، ففتحت الباب ومن بعيد أهش على ذلك العصفور اللعين، ولكنه لم يتحرك، فقامت الحرمة وهي تصيح بسبب إطفاء المروحة وكذا بسبب أنني فتحت الباب لأن النامس سيدخل، فقلت لها انظري ما هذا، فقالت: هذه علامة في الخشبة بسبب تسرب المياه بسبب الأمطار، فضحكت وأنا أغوص في عرق تلك الخشبة التي أحرمتني النوم آخر الليل وتداخلت مع ليلة بدايتها مع التفكير بحال اللصوص في وطني الذين يسكنون الفلل والقصور ولا يتسرب الماء إلى منازلهم الخرسانية، ثم أكملت بقية الليلة كيف لي لا أستطيع تغيير خشبة واللصوص لهم في كل مكان فلة أو قصر؟ أذن المؤذن لصلاة الفجر وأنهى ليلتي الطويلة التي تشبه إلى حد بعيد ليالي امرئ القيس، ولكن ليلتي كانت وكأنها مشطنة بجبال شمسان.