لحج / فؤاد داؤد
في زمن يُفتح فيه باب العالم بضغطة زر ، و تُهدم فيه القيم بمنشور ، و تُغتال فيه الأخلاق بمقطع ، لا يبقى للمنبر إلا أن ينهض ليكون خط الدفاع الأول عن هوية الأمة و ضمير أبنائها .
انطلاقًا من قول الله تعالى : " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر "، و استنادًا إلى مذكرة وكيل قطاع الإرشاد بالوزارة ، أصدر الأستاذ محسن فضل علوان الشعبي مدير عام مكتب الأوقاف و الإرشاد بمحافظة لحج ، تعميمًا عاجلًا و هامًا إلى مدراء مكاتب الأوقاف و أئمة و خطباء المساجد في كافة المديريات .
التعميم لم يأتِ ترفًا إداريًا ، بل جاء صرخة نذير أمام طوفان الانحرافات الأخلاقية و الظواهر السلبية الدخيلة التي تسللت إلى نسيج مجتمعنا ، عبر بوابات الانفتاح الرقمي و وسائل التواصل الاجتماعي ، لتضرب في أخلاق الأجيال و قيمهم الإسلامية في مقتل .
هذا حيث وجه التعميم بخطوات عملية صارمة ، تضع المسجد في قلب المعركة الأخلاقية تبلورت في :
أولًا: تخصيص خطبة جمعة موحدة للتوعية بخطر الانحرافات الأخلاقية ، و بيان آثارها المدمرة على الفرد و الأسرة و المجتمع. فحين يكون الخطر عامًا ، يجب أن يكون الصوت واحدًا ، لا مجال للتشرذم أمام عدو يتربص بالهوية .
ثانيًا: الالتزام بالطرح الوسطي المعتدل القائم على الحكمة و الموعظة الحسنة ، بعيدًا عن الغلو الذي ينفّر ، أو الإثارة التي تُشعل و لا تُصلح .. فالمنبر طبيب لا جلاد ، يصف الدواء و لا يقطع الرؤوس .. وزالحكمة هي الجسر الذي تعبر عليه الكلمة إلى القلوب قبل الآذان .
ثالثًا: التأكيد على أهمية التمسك بالقيم الإسلامية ، و تعزيز الوعي الأخلاقي ، خاصة لدى فئة الشباب .. لأنهم المستهدف الأول ، و الثغرة التي يراهن عليها أعداء القيم .. إن ضاع الشباب ، ضاع المستقبل ، و من أراد هدم أمة بدأ بشبابها .
رابعًا: تضمين الخطب رسائل إصلاحية تسهم في حماية المجتمع و تعزز السلوك القويم .. فالمسجد ليس منصة للشتائم ، بل ورشة لبناء الإنسان .. و المجتمع لا يحتاج من يُحصي له عيوبه ، بل من يأخذ بيده إلى طريق النجاة .
و من هذا المنطلق فأننا نؤكد هنا أن هذا التعميم يقرع جرس الخطر: حيث أن الانحراف الأخلاقي ليس "حرية شخصية" بل معول هدم للمجتمع كله .. وزوسائل التواصل ليست "تسلية بريئة" حين تتحول إلى أكاديميات مفتوحة للرذيلة و تطبيع المنكر .
و لذا فأن الصمت عن هذا الطوفان خيانة للأمانة ، و المنبر الذي لا يواجهه منبر خائن لدوره .. فالأمة التي لا تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر، تفقد مبرر خيريتها و تسقط من عين الله قبل أن تسقط من عين التاريخ .
إن أوقاف لحج اليوم تُعلنها صريحة اليوم أن بيوت الله لن تكون متاحف صامتة ، بل قلاع مواجهة .. و الأئمة ليسوا موظفين ، بل قادة رأي و حراس قيم .. فإما أن نكون خير أمة حقًا ، أو نكون غثاءً كغثاء السيل .
و الله الموفق