انطلقت إحدى أعنف الهجمات الصاروخية الباليستية الإيرانية ضد أهداف خليجية منذ بدء الحرب، وبرز تطور لافت تمثل في الارتفاع الكبير في فعالية الضربات التي أدت إلى تدمير ما لا يقل عن 2400 صاروخ اعتراضي، وهو رقم يقترب من حجم المخزونات المعروفة قبل اندلاع النزاع.
وعلى الرغم من استمرار الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية، تشير تقارير رسمية غير شاملة صادرة عن دول الخليج إلى أن إيران أطلقت منذ 28 فبراير ما يقارب 1200 صاروخ باليستي و4 آلاف صاروخ كروز من طراز "شاهد" بدائي الصنع.
وأوضحت كيلي غريكو، الباحثة في مركز ستيمسون، أن غياب الدعم الأميركي الفعال كان سيترك معظم دول الخليج دون قدرة تُذكر على الدفاع عن نفسها في مواجهة الصواريخ الإيرانية.
وميدانيا، شهد الأسبوع الماضي استهداف قاعدة الأمير سلطان الجوية في المملكة العربية السعودية بهجوم صاروخي، أسفر عن إصابة عدد من الجنود وإلحاق أضرار بعدة طائرات، من بينها طائرة الإنذار المبكر والتحكم الجوي "إي-3 سينتري" ذات القيمة الاستراتيجية العالية.
الاستنزاف في الذخائر أثار قلق حلفاء الولايات المتحدة، في ظل إعادة توجيه أنظمة الأسلحة لدعم العمليات ضد إيران
كما تصاعدت وتيرة الضربات خلال يومي السبت والأحد، حيث وصلت إلى نحو 40 عملية إطلاق صاروخي، أي ما يعادل ضعف المعدل اليومي المعتاد.
وتعتمد عقيدة الدفاع الصاروخي الباليستي على مبدأ إطلاق صاروخين اعتراضيين على الأقل لكل هدف، ضمن ما يُعرف بنهج "الإطلاق-الإطلاق-المراقبة"، حيث تُطلق الأطقم صاروخين ثم تُقيّم النتائج.
ووفقا لهذا النهج، يُقدَّر أن ما لا يقل عن 2400 صاروخ اعتراضي قد أُطلق خلال الحرب، مع احتمال أن يكون العدد الفعلي أعلى بكثير نتيجة الحاجة أحيانا إلى صواريخ إضافية لاعتراض المقذوفات.
وقد شكّلت صواريخ "باتريوت" بنوعيها باك-3 وجيم-تي الغالبية العظمى من هذه الاعتراضات، في وقت لم تكن تمتلك فيه دول الخليج سوى أقل من 2800 صاروخ من هذه الفئة قبل الحرب، وفقا لتراخيص المبيعات العسكرية الخارجية الأميركية وتقديرات خبراء ومصادر مطلعة.
وأكدت وزارة الدفاع الأميركية، من جانبها، امتلاكها الذخائر اللازمة لتنفيذ مهامها، إلا أن وثائق المبيعات العسكرية الخارجية تُظهر أعداد الصواريخ المطلوبة أو المصرح بها، وليس بالضرورة تلك التي سيمكن تسليمها فعليا.
وفي هذا الإطار، تنتج شركة لوكهيد مارتن نحو 650 صاروخا اعتراضيا من طراز باك-3 سنويا، وقد وقّعت اتفاقية في يناير لرفع الإنتاج إلى ألفي صاروخ سنويا بحلول عام 2030.
كما تُنتج 96 صاروخا من طراز ثاد سنويا، مع خطة لزيادة الإنتاج إلى 400 صاروخ.
وفي موازاة ذلك، أفاد مصدر مطلع، طلب عدم الكشف عن هويته نظرا لحساسية الموضوع لوكالة بلومبرغ، بأن الولايات المتحدة أطلقت مئات الصواريخ من طراز "توماهوك"، التي تبلغ قيمة الواحد منها نحو مليوني دولار، إضافة إلى أكثر من ألف صاروخ من طراز جاسم الأكثر تخفيا، والتي تصل كلفة الواحد منها إلى 1.5 مليون دولار.
ورغم التحول الجزئي نحو استخدام ذخائر الهجوم المباشر المشتركة الأقل تكلفة، لا تزال صواريخ كروز تُستخدم بكثافة نظرا لاستمرار خطورة أجزاء من المجال الجوي الإيراني على العمليات القريبة.
وتشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة كانت تمتلك نحو 4000 صاروخ "توماهوك" قبل الحرب، في حين تنتج شركة آر تي إكس نحو 100 صاروخ سنويا.
وبالمقابل، تستطيع شركة لوكهيد مارتن إنتاج ما يصل إلى 860 صاروخ جاسم سنويا، وفق وثائق حكومية.
وتتميّز هذه الصواريخ بقدرتها على الطيران لمسافات طويلة، واختراق الدفاعات الجوية، وضرب أهداف صغيرة بدقة عالية، ممّا يجعلها عنصرا حاسما في أي مواجهة مع خصم متطور مثل الصين.
واعتبر بيتر لايتون، الضابط السابق في سلاح الجو الملكي الأسترالي والباحث الزائر في معهد غريفيث آسيا، أن السماح بتآكل مخزون هذه الأسلحة يعكس افتراضا ضمنيا بعدم الحاجة إلى مواجهة مباشرة مع الصين، أو توقع تحقيق نصر سريع في حال وقوعها.
استمرار الانخراط الأميركي في الحرب مع إيران سيضع ضغطا كبيرا على مخزونات الجيش الأميركي من الذخائر والمعدات
وأضاف أن هذا التوجه يحمل دلالة استراتيجية واضحة، مفادها أن إدارة دونالد ترامب تضع إيران في صدارة أولوياتها، وهي مستعدة لتوظيف مواردها بشكل مكثف في هذا الصراع.
وقد أثار هذا الاستنزاف في الذخائر قلق حلفاء الولايات المتحدة، في ظل إعادة توجيه أنظمة الأسلحة لدعم العمليات ضد إيران.
وذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن وزارة الدفاع الأميركية تدرس تحويل شحنات أسلحة كانت مخصصة لأوكرانيا إلى منطقة الخليج، بما في ذلك صواريخ اعتراضية.
وفي الوقت ذاته، وقّعت أوكرانيا اتفاقية عسكرية مع المملكة العربية السعودية، بينما يسعى الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى تعزيز العلاقات في الشرق الأوسط، في ظل تزايد الشكوك بشأن استمرار الدعم الغربي لبلاده.
كما أشار مسؤولون في ألمانيا وفرنسا، وهما من أبرز القوى العسكرية في أوروبا، إلى وجود مؤشرات على نقص في بعض الإمدادات العسكرية.
و حذّر توماس إرندل، المتحدث باسم السياسة الدفاعية للمستشار الألماني فريدريش ميرتس، من أن استمرار الانخراط الأميركي في الحرب مع إيران سيضع ضغطا كبيرا على مخزونات الجيش الأميركي من الذخائر والمعدات.
وعلى صعيد آخر، شهدت كوريا الجنوبية نقل عناصر من بطارية الدفاع الصاروخي "ثاد" إلى الشرق الأوسط، حيث تعرّض راداران تابعان للنظام لقصف إيراني.
كما ارتفع الطلب على صواريخ الدفاع الجوي من طراز "إم-سام"، المصنعة في كوريا والمستخدمة أيضا في دول الخليج.
وترى كلوديا ماجور، من صندوق مارشال الألماني، أن الحرب مع إيران تمثل، على المدى القصير، نجاحا عسكريا تكتيكيا للولايات المتحدة، لكنها حذّرت من أن الخسائر الكبيرة في صواريخ "باتريوت" وغيرها من الصواريخ الاعتراضية، إلى جانب محدودية القدرة الإنتاجية لتعويضها، قد تؤدي إلى ضعف استراتيجي على المدى المتوسط