حين تستقرئ حقائق التاريخ، وتتأمل في كيمياء الشعوب وصراعاتها الوجودية، تجد نفسك أمام لحظة فارقة يتجاوز فيها الوجدان الشعبي حدود الحسابات المادية المألوفة، ليدخل في طور من أطوار التقرير المصيري الذي لا يقبل التمييع، ولا يخضع لمنطق المساومة بالقطعة، إذ إن قضية الجنوب العربي في جوهرها وحقيقتها، ليست مجرد خلاف على توزيع مغانم أو صراع على حصص في سلطة، بل هي عقيدة سياسية راسخة ترى في استعادة الدولة والكيان السيادي غاية تسمو فوق كل ما عداها من منغصات وتحديات، فالمتابع لمسار الأحداث منذ صيف عام أربعة وتسعين يدرك يقينا أن فكرة الوحدة التي ولدت في لحظة رومانسية حالمة، سرعان ما تحولت بفعل القوة والقهر إلى غلاف خارجي للاحتلال، مما أورث في الذاكرة الجمعية الجنوبية جرحا غائرا لا تداويه الوعود، ولا تمحوه محاولات التجميل المتأخرة، ومن هنا ينبثق الموقف الجنوبي الصلب الذي يضع "الجنوب المستقل" كخيار وحيد لا شريك له، حتى وإن كان هذا الاستقلال محملا بأعباء ثقيلة، أو مشوبا بنواقص إدارية وسياسية فادحة، فالشعور بالحرية في وطن مستقل، ولو كان مثقلا بالأوجاع، والموبقات الداخلية يظل في نظر المواطن الجنوبي أكرم وأطهر من العيش في ظل تبعية تفرضها وحدة قسرية سحقت الهوية وصادرت الكرامة.
ومن هنا بتجلى التناقض الصارخ حين تحاول بعض القوى الإقليمية والدولية، ومعها بقايا المنظومة القديمة، استخدام فزاعات المناطقية أو العنصرية أو الدكتاتورية أو الفساد او الصراعات الداخلية كأدوات لترهيب الشعب الجنوبي من الاستقلال، متناسين أن هذا الشعب الذي تجرع مرارة الاحتلال وعايش ويلات الطمس الممنهج لمؤسساته، بات يمتلك مناعة وطنية تجعله يفضل مواجهة مشكلاته الداخلية كأهل بيت واحد، على أن يظل رهينة لمركزية صنعاء وتحالفاتها القبلية والعسكرية، فالفساد في دولة جنوبية مستقلة، والمناطقية في اقبح صورها، والفقر والجوع والظلم، كلها في الميزان الوجودي للجنوبيين تبدو "موبقات محتملة" يمكن تقويمها وإصلاحها في إطار السيادة الوطنية، وهي بلا شك أهون بآلاف المرات من "الخطيئة الكبرى" المتمثلة في استمرار الوحدة التي يراها الجنوبي سجنا كبيرا يقوض وجوده ويستبيح ثرواته، ومن هذا المنطلق تصبح كل محاولات الترهيب بالداخل الجنوبي محاولات بائسة وفاشلة، لأن الشعب الذي قدم قوافل من الشهداء في سبيل استعادة علمه ونشيده وهويته، لا يمكن أن ترهبه عثرات الطريق، ولا يمكن أن ينسى أن عدوه الأول والأخطر هو ذلك المشروع الذي يسعى لإبقائه تابعا مهانا تحت مسمى الوحدة اليمنية التي لفظها الواقع والتاريخ.
وتتزايد تجليات هذا الصراع حين تتحول الاحتياجات الإنسانية الأساسية، من كهرباء ومياه وخدمات واستقرار معيشي، إلى أدوات للابتزاز السياسي الرخيص، فما نراه اليوم من تحسينات خدمية واقتصادية مفاجئة ، والتي تأتي في سياق النكاية السياسية بالمجلس الانتقالي أو كطعم لإغراء الجنوبيين على القبول بالأمر الواقع، هي في الحقيقة ممارسة لا تليق حتى بمستوى الصراعات البدائية، فالخدمات ليست منحة من أحد، بل هي حق إنساني أصيل لشعب صابر، لكن قوى الاحتلال اليمني ومن خلفها القوى الإقليمية الداعمة لها، جعلت من هذه الحقوق ورقة ضغط لتركيع الشعب الجنوبي، ظنا منهم أن البطون الجائعة قد تبيع كرامتها مقابل رغيف خبز أو ساعة كهرباء، وهم في ذلك يقعون في خطأ استراتيجي فادح، إذ إن الشعب الجنوبي يدرك بوعيه الفطري والسياسي أن توفير الخدمات في هذه اللحظة ليس حبا فيه، بل هو محاولة لشراء صمته، وهو يرد بلسان حاله ومقاله: "لا نريد رفاهية مغموسة بالذل، ولا نريد خدمات تكون ثمنا للتنازل عن سيادتنا"، فالحرية عند الجنوبيين لا تقدر بثمن، والسيادة لا تباع في أسواق المقايضات الدولية، ومن يعتقد أن الترهيب بالحرمان أو الترغيب بالفتات يمكن أن يزحزح هذا الشعب عن هدفه في الاستقلال فهو واهم وغارق في أحلام اليقظة، فالجنوب اليوم ليس مجرد جغرافيا، بل هو إرادة عصية على الانكسار، وقرار وطني لا رجعة عنه مهما بلغت التضحيات...
وصوما مقبولا وافطارا شهيا